إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 15 أبريل 2011

هل تكلمين نفسك أحيانا ؟


أن يكلم الإنسان نفسه، أو يطلق بعض الكلمات، من دون أن تكون موجهة إلى أحد بعينه، أمر يحدث معنا كثيراً، لكنه شيء له دلالات كثيرة. فما الذي يختبىء وراء تلك الكلمات العابرة؟ وما معنى أن يُجري الإنسان حواراً مع نفسه بصوت عالٍ؟
«أي» و«أووبس» و«يا إلهي» و«تباً».. من منا لم يطلق صرخة ألم، لأنه مثلاً أغلق الباب على إصبعه عن غير قصد، فأطلق كلمات غيظ يسب فيها الباب اللعين، لأنه ما كان يجب أن يغلق على إصبعه، ولعن الإصبع نفسه لأنه ما كان يجب أن يوجد في ذلك المكان بالضبط عند إغلاق الباب؟ كلنا نفعل هذا، ونفعله حتى إن لم يكن ثمة أي شخص آخر معنا في المكان، لكي يسمع ما نقوله أو يرد عليه. لكن، لماذا نحن في حاجة إلى أن ننطق بتلك الكلمات؟
أفعال حقيقية
«هذه الكلمات القصيرة التي ننطق بها، هي بالنسبة إلينا كأنها أفعال، لأننا من خلالها نُخرج أحاسيسنا وأفكارنا إلى حيز الوجود ونتخطى بذلك حاجز اللسان، أي بالتعبير عنها». هكذا تجيب المحللة النفسية نيكول فابر، مؤلفة كتاب «الوحدة، آلامها وفوائدها»، عن هذا السؤال. أما بالنسبة إلى الاختصاصي النفسي فرانسوا سولجي، صاحب كتاب «إله الأطفال ليس هو ذلك الذي نعتقد»، فإن لكلِّ واحد منا طريقته في التعبير عن مكنوناته، ولكلٍّ طريقة معينة يستعمل بها تلك الكلمات الصغيرة. يضيف موضحاً: «يمكن أن يكون لدينا رصيد مشترك من الكلمات التي نخاطب بها أنفسنا، غير أن لكل واحد منا قاموسه الخاص من الكلمات، التي يستعملها في مثل تلك الظروف».
حالة نفسية
هناك أيضاً جُمل قصيرة نوجهها إلى أنفسنا بصوت عالٍ، من دون وجود جمهور يستمع، التي تصدر نتيجة لإحساس ما، مثل عبارات: «غير معقول»، « يا لي من مجنونة»، «مستحيل». كل هذه العبارات، تشف عن حالة نفسية نحاول أن نعبر عنها بصوت عالٍ. وهذه الجمل القصيرة، لها أيضاً معناها. فبحسب المحللة النفسية نيكول فابر، «يتعلق الأمر غالباً بجملة تعجب، سواء وُجد من يستمع إليك أم لا». مع العلم أن العبارات ذات المعنى السلبي، التي تصدر عنا بهذه الطريقة، هي أكثر من مثيلاتها ذات المعنى الإيجابي. وتفسير هذا، كما تقول فابر، هو «إن العبارات من النوع الأول تكون محملة بمشاعر أقوى، وبالتالي فالمشاعر هي التي تدفعها إلى الخروج». وعلى العكس من ذلك، فإن عبارات من قبيل «واو، لقد أصبت هذه المرة»، فقليلاً ما ننطق بها بصوت عالٍ إذا كنا وحدنا، لأن شحنتها
العاطفية أقل من تلك، التي تحملها عبارات الغضب أو الخوف أو الألم والتي تخرج من دون استئذان».
أرتب أفكاري بصوت عالٍ «أحياناً، أكلم نفسي بصوت عالٍ، وأعدد ما أنوي فعله في فترة بعد الظهيرة مثلاً»، تقول لارا (26 سنة) وتواصل: «إذن، الآن سأغسل الأطباق، بعدها سأمرر المكنسة الكهربائية على الصالة، أوووه، لا، يجب أن أذهب لشراء الحليب قبل أن يغلق محل البقالة». وتشير إلى أنها، بهذه الطريقة تضع لائحة كاملة بصوت عالٍ، ولا تكون كمن تفوّه بمجرد كلمات طائشة فقط.
ينبع هذا النوع من التفكير، من وجهة نظر المحللة النفسية، «من الرغبة في تنظيم التفكير». فهي تشير إلى أن «سرد جدولك الزمني اليومي بصوت عالٍ مع نفسك، أو سرد أحداث معينة، يُعتبر محاولة منك لتمرين الذاكرة وتنشيطها. فمثل هذه الجمل لا تعبر عن مشاعر معينة فحسب، بل تساعد على التفكير الصحيح المنظم عندما يكون المرء في مواجهة مشكلة ما».
أما بالنسبة إلى الاختصاصي النفسي فرانسوا سولجي، فإن «هذا النوع من ردود الأفعال، يمكن أن نشبهه برؤوس الأقلام التي نخطها على الورق». ويقول سولجي إن «هذه الجمل في الواقع، هي وسيلة لتركيز انتباهنا حول مشكلة معينة». يضيف: «في أحيان أخرى، يكلم الإنسان نفسه من خلال سرد وقائع ورطة كاملة، من دون أن يكون هناك مستمع، ويمكن أيضاً أن يلخص كل ذلك السرد في سؤال نفسه بصوت عالٍ: ما العمل إذن؟».
ويوضح الاختصاصي النفسي كلامه قائلاً: «أن تكلم نفسك، قد يكون أحياناً علامة على المعاناة من الوحدة، لكن ليست الوحدة بمعنى العزلة، وإنما بمعنى أن تكون وحيداً في مواجهة مشكلة ما، في مواجهة حدث ما».
الكلام كتابةً
«هذا يحصل عندما لا نكون قادرين على طرح المشكلة على شخص آخر، ولكن في الوقت نفسه، لا بد من أن تُطرح المشكلة للنقاش». توضح المحللة النفسية نيكول أسباب تعبير بعض الناس عن الكلام الذي يحدثون أنفسهم به بصوت عالٍ كتابة.
تضيف: «أن يحدّث المرء نفسه، معناه أنه يعبر بالكلمات عما يخنقه، وما يثقل على صدره، إنها طريقة للتخلص من الأحاسيس التي تضايقنا». وتقول: «أن تترجم بالكلمات، وتفكك وضعاً معيناً تعيشه، معناه أنك تعود إلى التفكير في ذلك الوضع بطريقة شفهية هذه المرة، وتحمّل هذا التفكير بما يناسبه من المشاعر التي يثيرها».
من هنا، يجب أن نعي أن كوننا نحكي لأنفسنا قصتنا الذاتية بصوت عالٍ، فهذا يعني من جهة، أن كتمانها في داخلنا أو مجرد التفكير فيها في السر، هو أمر غير مريح أو لم يكن كافياً. ومن جهة أخرى فإننا نستعمل التفكير بصوت عالٍ، لأنها وسيلة تساعدنا على فهم أفضل وعلى اتخاذ قرار أفضل. وإذا كان التفكير بصوت عالٍ، وتحدُّث المرء مع نفسه، يساعدان على تنوير التفكير، وتصفية الذهن، وأن يصل المرء إلى حل سريع لمشكلة محملة بجرعة معينة من العواطف، فإن الاختصاصي النفسي فرانسوا سولجي والمحللة النفسية نيكول فابر يؤمنان بالخصوص بمزايا الكتابة «كوسيلة للتعبير»، لتكون بديلاً عن الحديث من دون وجود مستمع لإيجاد الحل للكثير من الهموم.
وتقول نيكول فابر: «لكي يكون للكلمات تأثير، يجب أن تُنطق أو أن تُكتب». تضيف: «لكني أفضل أن تكتب على ورق، فالكتابة تساعد على توضيح المشاعر العصية على الفهم». تتابع: «لهذا، فإذا ما اجتاحت الواحد منا مشاعر مبهمة، من الأفضل له أن يلجأ إلى القلم والورقة، فالكتابة تساعدنا على أن نرى الأمور في شكل أوضح».
عندما يصبح الأمر عادة
«أن تكلم نفسك، هو أمر يمكن أن يتكرر كثيراً معك». في نظر نيكول فابر، التي تقول إنه «كلما وجد الناس أنفسهم لوحدهم في مكان لفترة أطول، زاد عدد المرات التي يكلمون فيها أنفسهم لمجرد أن يسمعوا صوت أنفسهم، أو يشتكوا أو يبوحوا بهمومهم، وبالتالي زاد تمرينهم على هذه الطريقة للتخفيف عن أنفسهم وحل مشكلاتهم». تضيف: «هناك طريقتان يمكن أن يتم بهما ذلك: إما أن يكلم المرء نفسه، بمعنى أن يؤدي الدورين معاً، المتكلم والمستمع، أو أن يوجه كلامه إلى شخص خيالي ويتخيل إجاباته». «هنا، نجد أن المرء عند كتابة مذكراته الشخصية أو يومياته، فإنه يخاطب شخصاً آخر أكثر مما يخاطب نفسه». تفسر المحللة النفسية. تتابع: «هذا الشخص المتخيل، قد يكون امتداداً للصديق المتخيل الذي يتخيله الطفل وهو يلعب لوحده». وتلفت إلى أن «هذه الطريقة في الكلام مع الذات، تعيدنا إلى مرحلة الطفولة، فهي مبنية في شكل افتراضي».
لكن هل لكونك تكلم نفسك كثيراً قد يكون أمراً سلبياً؟ بالنسبة إلى فرانسوا سولجي الجواب هو «نعم». فهو يكشف أنه «عند الأشخاص الذين يكلمون أنفسهم كثيراً ولفترات طويلة، نكون في حاجة إلى أن نجيب عن سؤال مهم وهو: هل تحدُّث الشخص إلى نفسه هو هروب من الفعل أو تأجيل له؟».
«أن تكلم نفسك قد يبدو أمراً مزعجاً، إذا كان يمنعك من اتخاذ قرار، أو إذا كانت هذه العادة، هي نتيجة المعاناة من وحدة قاتلة، أو عندما يكون الكلام لمجرد أن تسمع صوتاً». تقول نيكول فابر.
تضيف: «عموماً، فإنه لحل مشكلة معينة، أو للتعبير بالكلمات
عن مشاعر مبهمة، فإن التحليل والاستدلالات المنطقية، تجد
مكانها بشكل أفضل على الورق، أي بالكتابة أفضل من مجرد أن
ينطقها اللسان، فالكتابة تعطي فرصة أكبر لتنوير الذهن».

 م ن ق و ل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

استرخي